ياسر بكر يكتب : "حواديت" جنرالات الوقت الضائع!!

264

بين فترة وأخري تتقارب أحيانا وتتباعد أحيانا .. حسب التوجيهات والتوجهات يطل علينا عبر الفضائيات سيادة اللواء فؤاد علام ليحكي لنا "حدوتة" إعدام الأستاذ سيد قطب في تجاوز واضح، وفج لضوابط العمل والشرف الشرطي، وبنبرة لا تخلو من ملمح التشفي يفشي أسرار اللحظات الأخيرة لأحد المحكوم عليهم في لحظات ضعفه الإنساني حال تنفيذ الحكم .. مسلك سيادة اللواء لا يليق بضابط كبير من المفترض أنه في السنوات التي تزدان بوقار الشيب، وتكلل الحكمة ما بقي من العمر..

كان أخر من شاهد الأستاذ سيد قطب قبيل دقائق من إعدامه النقيب فؤاد علام الذي تولى أمر نقله من السجن الحربي إلي سجن الاستئناف حيث تم تنفيذ الحكم.. نقل النقيب فؤاد علام عن الشهيد سيد قطب ما يصعب تصديقه، وخاصة أننا نعرفه، ونعرف الحكاية الحقيقية لما أسماه مذكراته عندما صار لواء متقاعد والتي أطلق عليها عنوان : "أنا .. والأخوان" .. ونعرف أيضا كيف ولدت فكرة كتابة المذكرات على يد الأستاذ محمود السعدني في نادي الصحفيين النهري بالبحر الأعظم، وكيف تم عرض المهمة على الزميل الأستاذ عاصم حنفي الذي اعتذر لعدم وجود مادة تصلح قواماً لتلك المذكرات؛ فما اسموه بالمذكرات لم يكن سوى كراسة مدرسية ذو غلاف أحمر تحوي أسماء بعض المتهمين الذين حقق معهم ضابط أمن الدولة فؤاد علام في أقبية ممارساته!!

واقترح الأستاذ عادل حمودة أن يسند الأمر للزميل الأستاذ كرم جبر الذي نعرف حقيقة دوره في صياغتها، ونعرف دور فريق مكتب الناشر في انتحال بعض وقائعها، .. ونعرف كيف تم التدخل الصحفي في ثناياها لتحمل سمت وصفة "المذكرات"!!، ونعرف حقيقة الخلاف بين سيادة اللواء والزميل الصحفي الذي حسمه القضاء لصالح الزميل .

.. وهو ما يعود بنا إلى حكاية التنظيم المتوهم لـ "الإخوان المسلمين"؛ ففي سنة 1965 لم يكن هناك تنظيم للإخوان المسلمين ولا يحزنون .. الحكاية كلها أن صلاح نصر مدير المخابرات العامة كان يذهب للسهر في منطقة المرج عند صديقه الصاغ عبد المنعم أمين (جلاد كفر الدوار) وزوجته محاسن سعودي التي كانت تجيد إعداد تلك السهرات وتهيئة أجوائها لعقد الصفقات واطلاق النزوات، .. يذكر تقرير أمريكي عنها أن اللقاء الأول بين البكباشي جمال عبد الناصر ومندوبC.I.A. كان في مارس 1952 في شقة الصاغ عبد المنعم أمين على النيل، وقامت المذكورة بتهيئة أجواء اللقاء .. كانت محاسن سعودي الزوجة الثالثة في حياة الصاغ عبد المنعم أمين، وكان عبد المنعم أمين الزوج الرابع في ترتيب زيجاتها !!

.. ورصدت أجهزة المباحث العامة هذه اللقاءات ورفعت بها تقرير إلى الرئيس عبد الناصر؛ فكانت تأشيرته : "استمر في المراقبة" ، وعلم صلاح نصر بأخبار المراقبة من صديقه سامي شرف، فكان لا بد من الانتقام من اللواء عبد العظيم فهمي وزير الداخلية بتدبير مكيدة للوزارة تدخلها في "حارة سد"، ولكي تكون المكيدة محكمة كان لا بد أن يكون لها علاقة بتعريض حياة الرئيس للخطر !! .. وقد كان بالتعاون مع العقيد شمس بدران؛ فقد رفعت المباحث الجنائية العسكرية تقرير إلى الرئيس عبد الناصر جاء فيه : "أن الداخلية غافلة، وأن وزيرها نائم في العسل، .. والتنظيمات السرية ترتع في البلد، وأهمها تنظيم "الأخوان المسلمين" الذي يخطط لاغتيال الرئيس، وتدمير محطات الكهرباء وهدم القناطر الخيرية وإغراق الدلتا " !! .

.. ولم يقتصر الأمر على الكيد لجهاز المباحث العامة ووزارة الداخلية بل امتد إلى أسرة وزير الداخلية ؛ فقد كان لوزير الداخلية أخ أصغر يعمل في وظيفة ضابط بحري برتبة رائد .. وكان هذا الشقيق الأصغر تربطه علاقة بزوجة أحد ضباط انقلاب يوليو 1952 التي تربت منذ صباها في احضان "الحرس الحديدي" وكانت ضمن نسائه المتخصصات في العمليات القذرة؛ .. فقامت المخابرات العامة برصد مكان اللقاء في عوامة على النيل بمنطقة الزمالك، وأعلمت الزوج بموعد اللقاء وزودته بمفتاح العوامة ومسدس ورصاصات.. ليقوم الزوج بمداهمة المكان وقتل شقيق وزير الداخلية، وليطلب من الزوجة الخائنة ارتداء ملابسها ليصطحبها خارجاً إلى منزلهما، وكأن شيئاً لم يكن .. ولتستمر الحياة ..!! .. لتنشر صحف القاهرة في اليوم التالي الحادث بوصفه جريمة انتحار لأسباب عاطفية .. كان مقتل عازف الجيتار عمر خورشيد تكرار لذلك السيناريو ولكن بأسلوب وإخراج آخر!!

.. كان هذا مفهوم ضباط انقلاب يوليو 1952 لمعني الشرف !!

.. كان اللواء عبد العظيم فهمي يبكي في صمت .. ولا يجرؤ أن يبوح بأوجاعه، .. فقط قال للزميل اسماعيل النقيب مدير تحرير "أخبار اليوم":

"أنه لا يجرؤ على مواجهة زبانية صلاح نصر .. ولا يقوى على احتمال السجن الحربي" .

.. وكهذا قتل الأستاذ سيد قطب .. شنق الرجل مظلوماً بغير جريرة ولا ذنب؛ .. فلم يكن هناك تنظيماً في واقع الحال، .. بل كان صراعاً بين الأجهزة لكسب رضاء طاغية على جسد وطن مُثخن بالهزائم والأوجاع!!

.. ولم تفلح توسلات الأطباء بعدم جواز شنقه؛ فالرجل مريض وفي حالة متردية، .. التقارير الطبية تشير إلى اقتراب أمر الله، ومع ذلك أصر الرئيس عبد الناصر على إعدامه شنقاٌ في سنة 1966 بعد محاكمة هزلية غابت عنها ضمانات العدالة .. تجاهل الرئيس عبد الناصر الأسباب التي أصدر بها قراره بالإفراج الصحي عنه فى عام 1964.. رفض الرئيس عبد الناصر تقارير الأطباء عن حالة الرجل ورفض وساطة بعض الحكام العرب، مبديا ندمه لكونه لم يشنقه فى أحداث سنة 1954 !! حتى أصبحت رأسه معلقة بيد سيد قطب ـ على حد قول الرئيس عبد الناصر ـ.. كان الرئيس عبد الناصر قد جعل الشعب أسيراً للخوف، ولم يعد هناك ما يخافه الرئيس عبد الناصر سوى الخوف ذاته بعد الهزائم المتتالية، والتي انسحب منها دون أن يحقق انجازاً؛ .. فكان إعدام الرجل المريض ظلماً رسالة بحروف الدم إلي شعب مصر .

مات الأستاذ سيد قطب ( يرحمة الله)، ترك الدنيا بغير عِقب يحمل اسمه أو يتبنى فكره ويدافع عن قضيته؛ .. تبني فكره بعض الشباب الغر الذين أساءوا للرجل لصالح توجهات مشبوهة، أو تحقيق أغراض تم اختراقهم من أجلها بهدف الإساءة للرجل بصفة خاصة، وتنفيذ مخططات مشبوهة تمزق وحدة الجماعة وتسيء للدين الإسلامي بصورة عامة !!

وتوالت حملة تشوية الأستاذ سيد قطب وكان منها وصف الأديب نجيب محفوظ للرجل في "المرايا" في شخصية اسماها "عبد الوهاب اسماعيل" .. ادعي نجيب محفوظ أنه ذهب لتهنئة الأستاذ سيد قطب بالإفراج .. ـ نجيب غير مجامل ولم يعرف عنه القيام بدور اجتماعي أو تبادل التزاور مع الآخرين ـ لكن الحقيقة أن الزيارة كانت بتكليف بهدف كتابة تقرير أمني للمسئولين عن ما آل إليه فكر الرجل فقد كان نجيب محفوظ على رأس "التنظيم السري للثقافة" الذي كان يشرف عليه الرئيس جمال عبد الناصر، وكان نجيب محفوظ فيه بدرجة "كبير بصاصين".

***
.. وللحديث بقية وشجون .
 
مشاركة