عباسية مدونى تكتب : على هذه الأرض ما يستحق النضال

163
728x90

العالم برمّته محكوم بعديد المحطات من الآمال والآلام ، عالم يفاجئنا يوميا بمعجزات لا حصر لها ، ويكشف عن مبادرات رائدة وأخرى متفرقة ، أغلب تلكم المبادرات تنشأ عن خطوات شخصية حبلى بالأمل ، بالشغف ، بالعطاء وبحب الحياة والسعي الى رسم الابتسامة على الشفاه مهما عصفت الفجائع بالناس .

ذلكم العالم الذي يتّكئ على أبحاث ، أمراض وآفاق للعلاج والمتابعة ، يعاني به نسب متفاوتة من البشر من مرض متصل بالدم يدعى " التلاسيميا" ، وهي كلمة يونانية تعني حوض البحر الأبيض المتوسط ، وهو من الأمراض التي يعاني منها الكثيرون ، ويحتاج الى علاج مدى الحياة يتمثل في عمليات نقل دموية مستمرة مع تناول دواء بشكل منتظم ، وهو مرض وراثي يتمّ تشخيصه في فترات النمو الأولى للأطفال خلال ستّة أشهر الأولى أو السنتين الأوليتين من عمر الطفل .

هذا المرض يستدعي الكثير من المتابعة والاهتمام ، كما أن تكاليف علاجه باهظة جدا وتتطلب متابعة مستديمة ، وله أعراض نفسية واجتماعية ، وسمي بمرض فقر دم البحر الأبيض المتوسط نتيجة انتشاره بشكل أوسع في منطقة دول حوض البحر الأبيض المتوسط .
مرض الثلاسيميا مهما كان مستعصيا ، وذا كلفة وأعراض ، وتأثيرات على أكثر من صعيد ، تبقى بوابة الأمل مفتوحة على مصراعيها ، وحبل الانسانية والمبادرات الواعدة به رائدة وتمنح للمريض مهما كان مرضه فسحة للأمل ، للعطاء ولحب الحياة بقلب نقيّ وكبير ، ومن بين الأيادي الممتدّة لأصحاب هذا المرض نجد " أسماء جاد" وهي ناشطة اجتماعية من الاسكندرية ، صاحبة مؤسسة " أصدقاء مرضى أنيميا البحر المتوسط " التي تسعى جاهدة إلى نشر الوعي ورسم البسمة على محيي كل مريض ، مع مبادراتها الجادة في القيام بحملات واسعة الأفق للتعريف بالمرض ، طرح أعراضه وخطورته والحث على مجابهته بالتعرّف عن قرب منه والالمام بكل أسبابه وسبل مجابهته ، كما أنها تمدّ حبل التواصل مع المرضى بخاصة منهم الأطفال ، جاهدة بكل جهد ، محبّة وإيمان أن تلوّن عالمهم الى ضحكات ، آمال وتشبّت بالوجود تخفيفا من معاناتهم ، رفعا لمعنوياتهم ، حثّهم على مقاومة المرض بروح عالية من الأمل ، التفاؤل والثقة .

وفي تواصلنا مع " أسماء جاد" كشفت لنا عن مدى اهتمامها بأطفال الثلاسيميا الذين يعانون من مشكلة صحية تتلخص في حاجتهم المستديمة الى نقل الدم طيلة حياتهم نتيجة خلل بالنخاع الشوكي .

وتضيف أنها تعرفت على هته الفئة من الأطفال بشكل فعليّ ومباشر سنة 2012 أين ذهبت الى احدى بنوك الدم ، وكيف تأثرت بحالتهم حينها ، تلكم الحالة من المرض التي تتطلب عملية زرع نخاع والتي تحتاج بدورها الى شروط كثيرة ، ومعايير معيّنة، ناهيك عن المصاريف وما يترتّب عن كل حالة ، دونما إغفال أن مرضهم ذا تأثيرات نفسية ، جسمانية ، اجتماعية واقتصادية أين لابدّ من الإلمام بكل التفاصيل والوقوف عندها مراعاة للمراعاة وحفاظا على توازنه ومنحه لمسة من الأمل ، الحب والاهتمام .

إيمانا منها بضرورة منح يد العون لهته الفئة من المرضى ، وثقة بأن نافذة الأمل تظل مفتوحة ، وأن كل يد تمتدّ لهؤلاء ستحدث فرقا عاجلا أم آجلا ، قررت " أسماء جاد" بتلكم السنة ( 2012 ) من شهر أكتوبر تنظيم أول حملة للتبرع بالدم لصالحهم ، وحتى توسّع مداركها وإلمامها بهذا المرض تعرفت عن قرب على البروفيسور" آمال البيشلاوي" وهي أستاذ أمراض الدم بجامعة القاهرة والام الروحية لكافة المرضى على مستوى الشرق الأوسط ، أين سافرت " أسماء " اليها شهر مايو سنة 2013 ضمن مؤتمر سنوي خاص بمرض الثلاسيميا ، بصفتها إعلامية بجريدة أمواج اسكندرية ، وكانت مهمّتها الإلمام بالمرض وتفاصيله ، وتعرفت عن المشكلات التي تواجه هؤلاء المرضى ، كل المعوقات ، الحلول والعلاج اللازم ، وتأكّدت بما لا فيه شك أن حياتهم مرتبطة أشدّ الارتباط بالدم ، الأمل الوحيد لهم في الحياة والنجاة.

بعد عودتها من المؤتمر ، كانت تحمل في جيوب ذاكرتها الكثير من الوجع ، الأمل والتفكير الجديّ في منح يد العون لهؤلاء المرضى ، وفكّرت في اطلاق مبادرة دعمها بها أستاذها ورئيس التحرير بالجريدة " حسام عبد القادر" الذي يعدّ الأب الروحيّ لأطفالها ، داعم ومشجّع خطواتها في مساعدة هؤلاء المرضى ، ورأت مبادرتها النور بتاريخ 14 جوان من سنة 2013 ، وكانت تهدف الى تحقيق ثلاث غايات واعدة لعل أهمها :
التوعية بالمرض ، ومنع ولادة أطفال جديدة يعانون من ويلات هذا المرض ، مع الدعوة الى الاهتمام بالمرضى الحاليين وحلّ مشاكلهم ، بالإضافة الى ايجاد تشريع يدخل مرض الثلاسيميا ضمن تحليل ما قبل الزواج .

وتؤكد ذات المتحدثة أن 11 بالمائة من الشعب المصري يحملون هذا المرض ، وهم في جهل أن هناك ما يربو عن عشرة ( 10 ) ملايين مصري حاملي المرض ، وأنه حاليا يرى النور ما يعادل 1500 طفل مصاب سنويا بذات المرض حسب تصريحات البروفيسور
"آمال البيشلاوي" ، وأن الدولة تنفق سنويا ملايين الجنيهات في التأمين الصحي ، أين تنفق على عدد 3329 طفل تقريبا ما يعادل 19 مليون جنيه ، والرقم في تزايد .
مبادرة الناشطة الاجتماعية " أسماء" توقفت نتيجة الأحداث السياسية بمصر ، لكنها عادت الى النور سنة 2014 بفيلم وثائقي حمل عنوان" ثلاسيميا" ، هذا الحلم الذي حققه ورعاه كل من الكاتب "منير عتيبة" والمخرج " محمد خالد" الذي تحمل تكاليف الانتاج كاملة ، حتى يشاركا مبادرتها ، ويدعما حلمها ، ويكونا طرفا في حملتها وسعيها نحو نثر براعم الأمل بين فئات المرضى، وقد حقق الفيلم نجاحات رائدة ، كما حصد جائزة ضمن فعاليات مهرجان لبنان للأفلام القصيرة .

لقد تابعت " أسماء" حملتها التوعوية طيلة سنة 2015 ، أين قامت بدعوة الاتحاد الدولي للمرض شهر فبراير 2015 ، وهو أكبر جهة دولية تهتم بمرض الثلاسيميا في العالم ، وشرفها حينها بالحضور الرئيس التنفيذي للاتحاد " أندرولا أليفتريو " والمستشار الطبي للاتحاد الدولي في كلية التجارة بجامعة الاسكندرية ، وكانت هته الخطوة الانطلاقة الفعلية لأهدافها وطموحها ، حيث كونت فريقا من آباء وشباب ثلاسيميا بهدف منع اتساع رقعة المرض ، ونظّموا خرجات ميدانية الى محافظات متعددة بهدف التوعية والعمل على حل مشاكل عدّة أهمها ، خدمة غسيل الدم بإحدى بنوك الدم التي ينتمي اليها اطفالها من الثلاسيميا ، تواصلها مع جهات كثيرة من مسؤولين وأفراد لتحقيق الأهداف الواسعة ، ومع اتساع الطموح وتكاثف الجهود ، كان لابدّ من كيان رسمي يحفظ هته الجهود ويعمل على بثّ شرارتها ، وايصال صدى صوت المطالب والحاجات ، وتحقق الأمر شهر مايو من سنة 2016 أين حصلت" أسماء جاد" على التصريح نهاية سبتمبر الخاص بمؤسسة " أصدقاء مرضى أنيميا البحر المتوسط" وهي أول مؤسسة متخصصة لأنيميا البحر المتوسط أو الثلاسيميا ، وكان الافتتاح الرسمي لها شهر ديسمبر سنة 2016 ، وأضحت رئيسا
للمؤسسة ، وكل طاقمها من الذين بدأوا معها رحلة الحلم .

المؤسسة بكيانها الرسمي تحافظ الى يومنا هذا على ذات الأهداف ، الطموحات والآفاق وذات مساع بارزة تكمن في توسيع دائرة التوعية للحدّ من استقطاب أرقام جديدة من المرضى ، زرع بذور الأمل نحو صناعة أطفال أبطال ، مع التركيز على تفاصيلهم الدقيقة ، مراعاة نفسيتهم ومدّ جسر الوصل معهم وبالحياة ، دونما التغاضي عن البحث عمّا يختزنونه من مواهب وطاقات إبداعية ، مع العمل على دعمهما وتطويرها ، حيث بداية كل شهر أبريل منذ سنة 2015 ، يذهب الأطفال الى مركز الحرية للإبداع رفقة الدكتور " وليد قانوش" الذي يسمح لأطفال الثلاسيميا بالمشاركة ضمن الورشات الفنية المختلفة ومجانا ، ومن ثمار تلكم الأنشطة تحقيق معرض خاص برسومات الأطفال في ديسمبر 2016 ، بمعدّل خمسين لوحة فنية من ابداعاتهم .

النشاط المسرحي حاضر وبقوة ضمن أهداف المؤسسة ، ورغم أن الأمر مجهد للأطفال المرضى إلاّ أنهم أبانوا عن قدرتهم وشغفهم بالأمر ، وكانوا أول فريق مسرحي مؤسس من أطفال الثلاسيميا على مستوى العالم وبشهادة من الاتحاد الدولي للمرض .
الناشطة الاجتماعية " أسماء جاد" وبحكم سعيها الملفت وبعدها الإنساني الرائد بمعيّة فريقها وكل من يدعمها من قريب أو من بعيد ، ما تزال تناضل نحو تحقيق الأسمى لهؤلاء المرضى ، ما تزال تنشد الأمل في كل خطوة ، ما تزال مساعيها خصبة وفي حاجة لكل يد تمتدّ ، فهي لم تقتصر على البعد التوعوي فحسب ، أو ندوات ولقاءات طبية ، وإنّما أكسبت أطفالها حرفا مثل صناعة الجلود والإكسسوارات وغيرها ، وكيف لهم أن يروّجوا لمنتجاتهم .

728x90

التعليم هو الآخر أهمّ القواعد حيث أن كل طالب ينال التأمين الصحي ، لكن نتيجة الارهاق وأعراض المرض يترك الطالب المدرسة فيسقط عنه حقّ التأمين ، وهذا ما لا يجب أن يكون حيث على الدولة الاهتمام أكثر بهذا الشق من المعوقات ومراعاة أعراض المرض ، حيث أن " أسماء " بقلب الأم وصوت الراعية لهؤلاء الأطفال تناشد الحكومة بتوفير الدعم الأكبر لهته الفئة ، وأن تخصص لهم مركزا خاصا للعلاج يعفيهم من مشاق المصاريف أو رحلة البحث الدائمة عن الدم ، مع مطالبتها المستمرة بضرورة وإلزامية القيام بحملة قومية للتعريف بالمرض.

صفوة القول ، أن مرضى الثلاسيميا ، بشر عاديون مشبّعون بحب الحياة والأمل ، متشبّتون أكثر بالعالم وما يكتنزه من أحلام وآفاق ، حقوقهم ومطالبهم شرعية في ظل الدعوة الى الاهتمام بهم أكثر ، ورسم معالم الوجود أمامهم بكل حب ، ثقة وتفان ، وتبقى الحياة أحقّ بالعيش رغم كل ضيق أو حاجز ، والنضال لأجلهم من أسمى الرسائل السامية التي وجب أن تؤتي ثمارها وأن تحقق غاياتها .

مشاركة