شريف الصباح يكتب : مدد....مدد

352

قادني اليوم حظي الجميل - وأنا أتنقل بين صفحات (يوتيوب) – إلي أغنية رائعة لطالما سمعتها وأنا طفل صغير، وكما يظهر في عنوان المقال هى أغنية مدد مدد للفنان العظيم الراحل محمد نوح، والذي يعتبر علم من أعلام الفن في مصر، فقد كان مطربا وملحنا وموزعا لألحانه، كما وأن له أعمال سينمائية  وتليفزيونية وإذاعية عديدة، ومه هذا لم ينل حقه في حياته أو مماته.

وقد غنى نوح أغنيته الشهيرة مدد إبان نكسة يونيو 1967، وظل يرددها في حفلاته التي وصل بها للنجوع والكفور سعيا لشحذ همم المصريين بعد الهزيمة الموجعة، والتي حاول النظام وقتها التخفيف من وطأتها لامتصاص غضب الشعب فأطلق عليها مسمى النكسة.

وتعمدت أن أختار تسجيل قديم للأغنية، وأتذكر أنه كان بأرض المعارض بالجزيرة – قبل إنتقالها لمدينة نصر – عندما أمر الرئيس الراحل السادات أن يقام معرض مفتوح تُعرض فيه الأسلحة التي اغتنمها أبطال مصر في حرب أكتوبر 73، واشترط السادات أن يكون الدخول للمعرض مجانا، ووجه وقتها بأن تنظم كافة المدارس رحلات للطلبة كي يزوروا معرض الغنائم ليغرس فيهم الفخار بالوطن، وليعرفوا مالذي قام به جيشهم.

وفي المعرض تبرع محمد نوح بغناء مدد مجانا للجمهور الذي تفاعل معه وردد كلمات الأغنية من ورائه، والتصوير ينقل صور للأطفال وهم يلهون أعلي برج الدبابة، ويتأرجحون على مدفعها بمنتهى البراءة والأريحية. وقتها تذكرت أيام حرب أكتوبر، والتي عشتها وأنا ابن الثمانية أعوام، وقتها كنت وأقراني نحفظ عن ظهر قلب كلمات لايفقهها كثيرون من جيل الشباب الآن، وهذه الكلمات كانت المقاومة، الضفة الشرقية للقناة، العدو، الثأر، بحر البقر وغيرها، كما استوعبت ذاكرتنا أسماء زعماء الصهاينة مثل جولدا مائير، موشيه دايان وشارون. وظلت الذكريات الجميلة تتواصل حتى طفرت من عيناي الدموع بعد أن تذكرت أسماء القادة العظام الذين جعلهم الله سببا في عزنا حتى الآن، ومنهم المشير أحمد إسماعيل علي والفريق سعد الدين الشاذلي والفريق محمد عبد الغني الجمسي، وغيرهم من أبناء نيل مصر وحماتها.

وفجأة تذكرت المرة الثانية التي سمعت فيها أغنية مدد وشاركت في غنائها، وكان ذلك تحديدا مساء الخميس العاشر من فبراير 2011، وقتها كنت ضمن ملايين المصريين الذين تجمعوا بميدان التحرير، ولم يكن لديهم إلا هتاف واحد يرددونه ضد حسني مبارك ألا وهو إرحل، ثم تهدأ الحشود قليلا ليغنوا رائعة نوح مدد شدي حيلك يا بلد، إن كان بأرضك مات شهيد فيه ألف غيره يتولد.

لتجئ المرة الثالثة التي غني فيها المصريون نفس الأغنية من قلوبهم قبل حناجرهم، يوم مباراة مصر والكونجو المؤهلة لكأس العالم، وبعد أن انقلبت نتيجة المباراة للتعادل بين الفريقين أحس المصريون بأن حلمهم الوحيد الذي سيجلب لهم الفرحة التي يبحثون عنها منذ سنوات يولي الأدبار، عندئذ انشقت الحناجر بالدعاء لله ثم مدد. واستجاب الله للدعاء وطلب المدد منه، وجاءت ركلة الجزاء التي توقفت معها ملايين القلوب، حتى أحرز النجم محمد صلاح هدف الفوز. وقتها سالت دموع الفرحة من عيني، فأنا كأي مصري أعشق تراب بلدي وأبحث عن الفرحة حتى لو في مباراة لكرة القدم.

فمن بعد رحيل مبارك عاش المصريون سنوات لم يكونوا ليتخيلونها، رأوا فيها ما لم يحلموا برؤياه، وعاشوا ضغوطا نفسية وعصبية لو عاشها شعب آخر لجن جنونه، ليزداد الطين بلة بغلاء الأسعار وهبوط المستوي الاقتصادي للعديد من الأسر المصرية.

وهذا ما دفعني إلي أن أفكر في عدة أسئلة، ألا يحس ولاة الأمر بأنين الشعب؟ ألم يدركوا أن المصريين يمكن أن يتوحدوا معا لو وجدوا ما ومن يجمعهم لينسوا فجأة كل أزماتهم، ليرددوا كلمة مصر؟ ألا يتذكر ولاة الأمر وقت حرب الاستنزاف وكانت البيوت والبطون خاوية، والأهم كان... النصر؟

استفيقوا، فالمصريون بشر من لحم ودم، والضغط سيؤدي حتما للإنفجار، ارحمونا من النفاق وتوزيع الاستمارات وأبواق الإعلام الفاسد والرشوة والفسادوآخر الأثافي معايرة الشعب بأنه لا يفهم ولا يدرك الحقيقة. استقيموا يرحمكم الله.

و مدد مدد مدد مدد شدي حيلك يا بلد... إن كان في أرضك مات شهيد فيه ألف غيره يتولد... مدد مدد

 

مشاركة