السعيد نجم يكتب : المضحكات المبكيات!

61

 لقنونا فى المدارس أننا بلد زراعى، وذكر التاريخ أنا كنا سلة الغذاء العربى، إذا شبعنا شبع العرب، وإن قل ناتجنا ربط العرب على بطونهم الأحجار. كنا ننتج قطنا كالحرير، يحسدنا عليه الحاسدون، حقق سمعة عالمية لاتبارى، موسم جنيه كان عيدا تتزين له وجوه قرانا، وليست أيام جنيه كسائر الأيام.

البلد الزراعى هذا لاينتج اليوم أكثر من ربع رغيف خبزه، أصبح أكبر مستورد فى العالم لحبة القمح، أهم حبوب الأرض على الإطلاق. اليوم يطرق أبناؤنا أبواب العرب لأجل لقمة عيش ضن بها الوطن، واختفى قطننا طويل التيلة اختفاء مختطف لايدرى أحد من اختطفه، وماذا يجرى عليه خاطفوه!..

اليوم تقطبت وجوه قرانا لاتعرف عيدا للبهجة كانت تنتظره من العام للعام. ومازالوا يلقنون أطفالنا فى المدارس أننا بلد زراعى! نصف أنفسنا بأننا شعب متدين، وتوصف القاهرة بأنها مدينة الألف مئذنة، وتحوى القاهرة الأزهر أقدم وأشهر جامعة إسلامية فى العالم على مر التاريخ.

فى شهر رمضان ترتدى القاهرة ثوب الإيمان، وتنطلق مكبرات الصوت تغطى مساحاتها العريضة بآيات الذكر الحكيم، والأحاديث والفتاوى والأغانى الدينية، ووقت الإفطار تكاد شوارع المدينة تخلو من عابر. فى رمضان كأن سائر مدننا وقرانا قد تحولت إلى مسجد كبير، لكنك إن بحثت عن الإسلام فى التعاملات، فى الشوارع والطرقات، فى حنايا الأزقة والحارات ستعود حسيرا زائغ النظرات! اعتنق أمريكى وزوجته الإسلام بعد تفكير طويل ، ومراجعات مضنية، وتحقق حلمه بزيارة بلد الأزهر حاضنة الإسلام وحاميته، بعد أيام قلائل هرب الرجل مصطحبا زوجته خشية أن يفتتن فى دينه، فهل نحن على وجه حقيقى شعب متدين؟!

انطلقت أبواق الدعاية الرهيبة زمن عبد الناصر تعلن عن ثورة صناعية ( من الإبرة إلى الصاروخ)، وبناء ألف مصنع، وتحول مصر من بلد زراعى متخلف إلى بلد صناعى متقدم، وبدأت أسواقنا بالفعل تعرف عبارة (صنع فى مصر). حلمنا أن نصبح بين الكبار، وأن ندخل ميدان المنافسة العالمية، أن نصنع سلاحنا، وننتج دواءنا، ونأخذ بيد العرب إلى دروب التصنيع الحديث. ماذا ننتج اليوم مما نستهلكه، وأين الألف مصنع، والصاروخان القاهر والظافر، والغذاء والدواء وأحلامنا العريضة؟! لدينا نسبة كبيرة إن لم تكن النسبة الأكبر فى العالم من خريجى المدارس الثانوية ومايعادلها الذين يدخلون الجامعات، وأطروحات الماجستير والدكتور الأكبر عددا فى المنطقة كلها، وربما عادل حاملوا شهادة الدكتوراه فى مصر عددهم فى أمريكا. منذ بداية ظهور البترول فى منطقتنا العربية ومدرسونا هم العماد الحقيقى للعملية التعليمية فى بلاد الأشقاء، وتعرف بلادنا موسما سنويا لاتعرف بلدان العالم له مثيلا ولن تعرف: موسم الثانوية العامة، تقف فيه معظم الأسر المصرية على أطراف أصابعها، وتجود بجل مدخراتها حتى مساس بعضها بلقمة عيشها. المسألة التعليمية صرع فى رأس كل الأسر المصرية، وبعد هذا وغيره ماموقعنا على خارطة المستوى التعليمى فى العالم؟!

ربينا على أن الكيان الصهيونى ورم سرطانى زرع فى جسد الأمة العربية ووجب استئصاله، أنه العدو الأكبر، وأن صراعنا معه صراع وجود لاحدود، وأن الأمة العربية أمة واحدة يجمعها الدين واللغة والتاريخ ويضمها المستقبل ووحدة المصير، فهل الصهاينة اليوم هم أعداؤنا، والعرب أمة واحدة؟! فى الجعبة الكثير، لكن يكفى ماقل ودل، ولاداعى لمزيد من الشجون. وكم فى مصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا.

مشاركة